الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

136

تفسير روح البيان

وهو مذهب سيبويه والبصريين وفوه بالضم مثل سوق وأسواق وهو مذهب الفراء حذفت الهاء حذفا غير قياسي لخفائها ثم الواو لاعتلالها ثم أبدلت الواو المحذوفة ميما لتجانسهما لأنهما من حروف الشفة فصار فم قال الراغب وكل موضع علق اللّه فيه حكم القول بالفم فإشارة إلى الكذب وتنبيه على أن الاعتقاد لا يطابقه وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ اى الكلام المطابق للواقع لان الحق لا يصدر إلا من الحق وهو ان غير الابن لا يكون ابنا وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ اى سبيل الحق لا غيره فدعوا أقوالكم وخذوا بقوله هذا . والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك وما فيه سهولة وفي التأويلات النجمية ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ) فيما سمى كل شئ بإزاء معناه ( وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) إلى اسم كل شئ مناسب لمعناه كما هدى آدم عليه السلام بتعليم الأسماء كلها وخصصه بهذا العلم دون الملائكة المقربين قال بعض الكبار اعلم أن آداب الشريعة كلها ترجع إلى ما نذكره وهو ان لا يتعدى العبد في الحكم موضعه في جوهر كان أوفى عرض أو في زمان أو مكان أو في وضع أو في إضافة أو في حال أو في مقدار أو عدد أو في مؤثر أو في مؤثر فيه . فاما أولاها في الجوهر فهو ان يعلم العبد حكم الشرع في ذلك فيجريه فيه بحسنه . واما أدب العبد في الاعراض فهو ما يتعلق بافعال المكلفين من وجوب وحظر وإباحة ومكروه وندب . واما أدبه في الزمان فلا يتعلق الا بأوقات العبادات المرتبطة بالأوقات فكل وقت له حكم في المكلف ومنه ما يضيق وقته ومنه ما يتسع . واما أدبه في المكان كمواضع العبادات مثل بيوت اللّه فيرفعها عن البيوت المنسوبة إلى الخلق ويذكر فيها اسمه . واما أدبه في الوضع فلا يسمى الشيء بغير اسمه ليغير عليه حكم الشرع بتغيير اسمه فيحلل ما كان محرما ويحرم ما كان محللا كما في حديث ( سيأتي على أمتي زمان يظهر فيه أقوام يسمون الخمر بغير اسمها ) اى فتحا لباب استحلالها بالاسم وقد تفطن لما ذكره الامام مالك رحمه اللّه فسئل عن خنزير البحر فقال هو حرام فقيل له انه من جملة سمك البحر فقال أنتم سميتوه خنزيرا فانسحب عليه حكم التحريم لأجل الاسم كما سموا الخمر نبيذا أو إبريزا فاستحلوها بالاسم وقالوا انما حرم علينا ما كان اسمه خمرا . واما أدب الإضافة فهو مثل قول الخضر عليه السلام ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ) وقوله ( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما ) وذلك للاشتراك بين ما يحمد ويذم وقال ( فَأَرادَ رَبُّكَ ) لتخليص المحمدة فيه فان الشيء الواحد يكتسب ذما بالنسبة إلى جهة ويكتسب حمدا بالإضافة إلى جهة أخرى وهو هو بعينه وانما يغير الحكم بالنسبة . واما أدب الأحوال كحال السفر في الطاعة وحال السفر في المعصية فيختلف الحكم بالحال . واما الأدب في الاعداد فهو ان لا يزيد في افعال الطهارة على أعضاء الوضوء ولا ينقص وكذلك القول في اعداد الصلوات والزكوات ونحوها وكذلك لا يزيد في الغسل عن صاع والوضوء عن مد . واما أدبه في المؤثر فهو ان يضيف القتل أو الغصب مثلا إلى فاعله ويقيم عليه الحدود . واما أدبه في المؤثر فيه كالمقتول قودا فينظر هل قتل بصفة ما قتل به أو بأمر آخر وكالمغصوب إذا وجد بغير يد الذي باشر الغصب فهذه اقسام آداب الشريعة كلها فمن عرفها وأجراها كان من المهتدين إلى السبيل الحق والمحفوظين عن الضلال المطلق فاعرف ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ يقال فلان يدعى لفلان اى ينسب اليه ووقوع اللام